رأي الحدث

عبد الرحمن عبادي يكتب ..التعليم العالي وثقوب المعاهد السوداء

عبادي
عبادي

 

البيان الرسمي الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء بشأن التعليم العالي في مصر ،حمل أرقاماً مهمة تطرح تساؤلات أهم عن المستقبل .
الرقم الأبرز هو المرتبط بزيادة نسب طلاب المعاهد العليا الخاصة في مصر ،ليمثلوا ١٥.١% من إجمالى الملتحقين بالتعليم العالي ، في مقابل تراجع نسبة الملتحقين بالجامعات الحكومية والأزهر لتكون ٧١.٨%من إجمالى الملتحقين بمنظومة التعليم العالي المصرية .
بيان الجهاز أشار إلى أن عدد طلاب المعاهد العليا الخاصة ، بلغ ٥١٧ ألف طالب تقريبا هذا العام بزيادة ٧.٩% عن العام الماضى ، علما بأن الزيادة التي شهدتها الجامعات الحكومية، وجامعة الأزهر، في نفس المدة هي أقل من ١% بالتحديد ٠.٧% !!
وفقا لبيانات وزارة التعليم العالي الرسمية ، فإنه تم ترشيح حوالى ١١٧ ألف طالب - هذا العام - من طلاب الثانوية العامة للمعاهد، بشقيها الخاص والفني ، كما تم ترشيح أكثر من ٢٢٠ ألفا من الحاصلين على الثانوية الفنية - لاحظ الفنية - لنفس المعاهد !!
إذا استبعدنا من الرقم الأخير حوالى ٨٠ ألفا تم توجيههم للمعاهد الفنية على الأكثر ، فإننا أمام ٢٤٠ ألف طالب حصرت وزارة التعليم العالي فرص التحاقهم بالتعليم العالي ،فى معاهد خاصة معظمها معاهد ترتبط بدراسات نظرية لا طائل ولاسوق عمل لها ، وحتى المعاهد العملية منها تشتكى النقابات المهنية من سوء جودة خريجيها ، خاصة نقابة المهندسين التي تستقبل سنويا من ١٢ إلى ١٥ ألف خريج من المعاهد الهندسية الخاصة سنويا .
بعبارة أدق وزارة التعليم العالي ألزمت هؤلاء الطلاب بذلك المسار ، لأن النظام الحالي يجعل القبول بالمعاهد الخاصة ، مرتبطا بنظام تنسيق الجامعات الحكومية ، بحيث لا يكون هناك خيار آخر أمام الطلاب المتقدمين للتنسيق - خاصة أبناء الطبقة المتوسطة - بعد شغل الأماكن المخصصة في الجامعات الحكومية ، سوى كتابة رغباتهم من تلك المعاهد ، أو التخلي عن فرصة استكمال تعليمهم العالي .
يصف العلماء ثقوب الفضاء السوداء بأنها بؤر مظلمة تصل فيها الجاذبية إلى مستوى هائل بحيث تستطيع جذب كل شيء إليها ، حتى أنها قادرة على امتصاص الضوء
المعاهد العليا خير تمثيل لذلك المصطلح ..هى منظومة تبتلع أى محاولات لإصلاح مسارها ، لدرجة أنها لاتزال محكومة بقانون مهترىء منذ سبعينيات القرن الماضى .
هى أيضا منظومة غامضة للمجتمع ، تماما مثل الثقوب السوداء لأنه ليست هناك دراسات أمينة عن جدواها الاقتصادية ، أو التعليمية ، أو عن عوائدها وأرباحها .
اقتصاديات الغالبية العظمى من المعاهد الخاصة ، مثلها مثل الثقوب السوداء معتمة ، تدار اقتصاديا ، وفقا لمنظومة عائلية يتحكم فيها الأب والأبناء ، وكثير منهم حصلوا على ألقاب أكاديمية بحكم القرابة وأشياء أخرى .
هذه المنظومة نجحت فى إشاعة حالة من الرهبة بين مسئولى التعليم العالى ، بعد وقائع أطيح خلالها بكل مسئول حاول الاقتراب من مصالحها ، أو سعى لتعديل مسارها ، بما أكسبها غموضا إضافيا لا يختلف كثيرا عن غموض الثقوب السوداء .
الأخطر من كل ذلك ، أن المعاهد الخاصة في مصر والتي بلغ عددها ١٨٩ معهدا في تخصصات (الهندسة والإدارة واللغات والتجارة والحاسب والإعلام والسياحة والخدمة الاجتماعية) تعتمد بصورة كبيرة على أعضاء تدريس منتدبين ، أومعارين من الجامعات الحكومية .
تتراوح مصروفات المعاهد الخاصة بين ٥ إلى ٣٠ ألف جنيه سنويا ، بحسب التخصص والموقع الجغرافي وتتوزع في جميع أنحاء الجمهورية .
ورغم أن تلك المعاهد تكاد تكون المنظومة التعليمية الخاصة الوحيدة في مصر ، التي لاتبذل جهدا في البحث عن الزبون الذى يأتي إليها مجبرا بترشيح الوزارة ،إلا أن الدولة لاتستفيد كثيرا منها ، حيث تخضع لمنظومة قانونية قديمة منحتها مزايا وإعفاءات واسعة ، في مقابل خضوعها التام لإشراف وزارة التعليم العالي سواء أكاديميا أو إداريا اوماليا .
من بين تلك الصلاحيات تحرص فقط وزارة التعليم العالي على تحصيل نسبة من تلك المعاهد تخصص لصندوق خاص تحت تصرف وزير التعليم العالي .
وأمام كل تلك الامتيازات التي تزايدت في السنوات الأربع الأخيرة بالموافقة على زيادة رسوم المعاهد الخاصة الدراسية حوالى ٣٠% على ثلاث مراحل لم نسمع عن سعي حقيقى من وزارة التعليم العالي لتطوير منظومة المعاهد الخاصة ، أو على الأقل الالتزام بالقرارات السابقة والتي صدرت من ٢٠٠٩ بإلزام تلك المعاهد بالحصول على اعتماد هيئة الجودة وتطوير لوائحها الدراسية بالكامل .
كما لم نر أي تعديل تشريعي يواجه ثغرات التشريع الحالى الذي مر عليه أكثر من ٥٠ عاما بالرغم من كل تلك التشريعات والتغييرات شبه الشاملة لمنظومة التعليم العالي .
أيضا لم نشهد زيارة تفقدية من وزير التعليم العالي لأى معهد خاص ، للوقوف على كل تلك الشكاوى التى تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي ، ومكاتب سكرتارية الوزارة من سوء الخدمات التعليمية بتلك المعاهد ومشكلات المصروفات والمخالفات الفجة.
تقريبا نسي وزير التعليم العالي أوتناسى أن هناك منظومة تضم أكثر من نصف مليون طالب تحت إشرافه المباشر ، فضاع حق المجتمع في الاستفادة من تعليم حقيقى بتلك المنظومة ،
وضاع حق الدولة في أن تحصل على حقها من أرباح خيالية تحققها بعض تلك المعاهد .
السؤال الأخطر لماذا يتم إغفال النظر كل فترة عن قرارات حظر إنشاء معاهد جديدة ؟ولماذا يتم إعاقة مشروعات إنشاء معاهد تكنولوجية ؟ خاصة وأن نماذج المعاهد التكنولوجية تجربة واعدة جدا خاصة فى ظل نجاح تلك المعاهد التابعة لقطاعات خدمية مثل معاهد السكة الحديد والإنتاج الحربى والتمريض والفنى الصحى .
من يحمى دكاكين المعاهد الخاصة فى كثير من المحافظات؟ وإذا كنت أقول دكاكين فذلك لأنها تحولت فعلا إلى دكاكين.. الوزارة تشكل لجان مراقبة وتضع لائحة مصروفات ، وصاحب الدكان يفعل ما بداله بمجرد استلام الزبون الطالب ، بداية من فرض رسوم تحت الطرابيزة ،ولزوميات خروف نجيب الريحاني ،ومرورا بحيل الاستعانة بغير المؤهلين وبأساطين البيروقراطية الورقية لتستيف ورق اكتمال الهيكل الأكاديمى ، واستيفاء متطلبات العملية التعليمية ، وانتهاءا بمهازل إضافة أنشطة غريبة لجمع أموال أكثر ..لم أصدق ما وصلنى عن قيام أحد المعاهد الخاصة الإدارية فى نطاق محافظة الجيزة بفتح محل كوافير داخل ساحة المعهد ، إلا عندما حكى لى مسئول بالتعليم العالى عن مهازل أخرى يصغر أمامها هذا التصرف .
بعد كل هذا كيف يمكن تعديل مسار هذه المنظومة التى لايمكن ، إزالتها اوزحرحتها عن موقعها لظروف اجتماعية معلومة باعتبارها تسد ثغرة عجز الجامعات الحكومية عن استيعاب كل الطلاب ،أولظروف غير معلومة باعتبارها ثقوب سوداء يخشى مسئولوا التعليم العالي الاقتراب منها .
أول خطوة يجب أن تحدث لكى تصلح هذه المنظومة نفسها بنفسها ، هو تركها تعانى قسوة العرض والطلب فى سوق لم يعد يرحم ، ولن يكون به مكان سوى للمتميز فقط مستقبلا .
كذلك يجب وضع نظم قبول محترمة ومنفصلة تماما عن تنسيق الجامعات الحكومية ، وإجراء تعديل تشريعي لتنظيم العمل بها ..كفانا دفنا لوجوهنا في الرمال كما النعام .

بنك التعمير
عبد الرحمن عبادي الحدث الحدث التعليمي التعليم العالي المعاهد المعاهد ا